•  الرئيسية
  •  المنتدى
  •  المتجر
  •  خدماتنا
  •  تواصل معنا



  • أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى ايجي فيت البيطري، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .






    06-10-2013 06:11 مساء
     

    طريق جيل الى حرب اكتوبر 1973 (المصرى اليوم)

    بقلم :عبالمنعم سعيد
    yy


    الليلة لا تشبه البارحة، ومن يحاول أن يجعل ليلة شبيهة بأخرى يتصنع ما لم يحدث، وما نحن فيه ليس كما كان، فقد تراكمت الأيام والليالى، ولم يعد العمر فتياً. أربعون عاماً مضت وتظل حرب أكتوبر فارقة فى حياتى وحياة جيلى باعتبارها الحدث الأعظم، ليس لأنه جرى فيها ما جرى، ولكن لأنها كانت تتويجاً لثورة كبرى استمرت ست سنوات. ربما كانت البداية تلك الرحلة الطويلة على الأقدام من مدينة الباجور بالمنوفية إلى القاهرة لمطالبة الزعيم جمال عبدالناصر بالبقاء يومى التاسع والعاشر من يونيو ١٩٦٧. كانت الهزيمة قد حدثت مدوية ومهينة، ولم تكن بالنسبة لنا، طلبة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مثل كل شباب مصر، كانت مهنتنا دراسة السياسات الداخلية والدولية وفهمها، كنا ببساطة نعرف عمق الجرح وغزارة النزيف الذى ألم بالمحروسة. خرجنا مع الجموع وهتفنا لأن ذلك كان الإجابة الوحيدة المتاحة على العدوان، وربما فى غمرة الاستجابة توّلد السؤال لماذا حدث ما حدث؟ وسرعان ما جاء آخر، ماذا نفعل؟ تطوعت مع آخرين لإنقاذ محصول القطن الذى كاد أن يضيع فى غمرة الأحداث، ومن بعدها ذهبت الجماعة للتدريب العسكرى وهو ما جرى فى الدخيلة بالقرب من الإسكندرية، وهناك حدث أول اقتراب من الموت حينما انطلقت أمام وجهى رصاصة من زميل غفل عن اتخاذ احتياطات الأمان.

    بدأ العام الدراسى كما لم يحدث أن بدأ من قبل، كان العائدون يختلط لديهم الحزن بالأسى بخيبة الأمل، ولكن كان يجمعهم أمر واحد هو أنه لا يمكن القبول بما حدث فى الخامس من يونيو، وأن الرفض لابد أن يرتبط بالتقييم والمحاسبة. لم يعد الزعيم معصوماً، ولا كان صحبه الأحرار ناجين من النار، ولا كانت مصر كلها غائبة عن المسؤولية، عاشت البلاد واحداً من أهم إخفاقاتها التاريخية. تابعنا أخبار الجبهة بحرص هذه المرة حتى جاء يوم ٢١ فبراير، يوم الطالب العالمى، ومعه صدرت «أحكام الطيران» بعد محاكمة المسؤولين عن «النكسة» كما صورها الأستاذ محمد حسنين هيكل. تجمعنا فى «كافتيريا» كلية الحقوق التى كانت لاتزال كلية الاقتصاد تحتل جزءاً من مبانيها، ومن هناك سمعنا عن مظاهرات عمالية، فانطلقت ثورة الشباب الأولى فى مصر منذ قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢. كنا ببساطة نريد ثأراً فى حرب أخرى، ونريد محاسبة المسؤولين عن الجريمة، كما كنا نريد مصر أخرى غير تلك التى فرطت فى مسؤولياتها فتم احتلالها مرتين خلال عقدين من الزمان. الثورة أتت ببرنامج ٣٠ مارس الذى سجل لأول مرة فى مصر الناصرية أن الأمور لم تكن على ما يرام، وأن هناك حاجة إلى إصلاح. لم يكن البرنامج مرضياً فقد سار على مسار الاتحاد الإشتراكى العربى ودولة الحزب الواحد، ولكن حرب الاستنزاف قدمت، فصار القتال أكثر أهمية. لم تتوقف ثورة الطلاب -الشباب بلغة هذه الأيام- طوال الأعوام التالية حتى بلغت ذروتها عام ١٩٧٢ عندما تشكلت اللجنة الوطنية العليا للطلبة بقيادة أحمد عبدالله رزة وقادت اعتصاماً هائلاً على مدى عشرة أيام انتهى إلى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة. بعد منتصف الليل بقليل غادرتها لكى أرتدى ملابسى العسكرية، فقد انتهت إجازتى الطويلة من أجل استكمال دراستى العليا، وبعد الفجر بقليل ومن نافذة العربة المارة أمام مديرية أمن الجيزة شاهدت زحاماً من عربات الشرطة وجنود الأمن المركزى، عرفت أن الاعتصام جرى أو يجرى فضه.

    لم يعن ذلك انتهاء الثورة فلم يكن لها أن تنتهى إلا بحرب، فقد استمرت بأشكال مختلفة، وبدا العالم متعجباً من شباب مصر بينما شباب العالم كله قد استقر منذ ثورته الكبرى عام ١٩٦٨ على أن الحب أكثر أهمية. لم نلتفت للأمر كثيراً أيامها، وحتى لم يكن لانقسامنا بين يمين ويسار، وداخل كل منهما انقسامات متعددة، ما يشغل الخاطر طالما أننا جميعا اتفقنا على الحرب. كان تسارع الاستعدادات واضحاً داخل كتائبنا المختلفة اعتباراً من ربيع عام ١٩٧٣، وكان تجنيدى قد تم اعتباراً من ١٢ سبتمبر ١٩٧٠، وأصبحت رقيباً كيماوياً مهمته استطلاع استخدام العدو للأسلحة الكيماوية والنووية. كانت معداتى بالإضافة إلى البندقية سريعة الطلقات، جهاز للكشف عن الغازات توضع فيه عينة من التربة أو الهواء، فإذا تغيرت الألوان من حال إلى حال نعرف أن هجوماً كيماوياً قد حدث، أما الهجوم النووى فقد كانت وسيلتى إليه جهاز يقيس حالة الإشعاعات. لم تكن هذه مهمتى الوحيدة، فبعد أن حصلت على فرقة مساحة (حصلت أيضا على فرقة للحرب الكيماوية وأخرى للتوجيه المعنوى)، كان طبيعياً أن أكون ضمن مجموعة الاستطلاع فى الكتيبة «٦٥٤ م. م. د» أو مقذوقات (صواريخ) موجهة ضد الدبابات التى يقودها المقدم جمال حفيظ ويرأس عملياتها الرائد محمد عبد الوارث.

    بدأت عمليات التعبئة على الجبهة اعتباراً من يوم ٢٢ سبتمبر ١٩٧٣، ورغم أن معظم العام قضيناه فى مناورات مختلفة، بالإضافة إلى مظاهرات متنوعة، انتهت واحدة منها بدخولى السجن لثلاثة أسابيع، فقد شعرت أن الأمر هذه المرة ليس كما كان. صباح يوم ٢٨ سبتمبر سألنى المقدم جمال حفيظ عما إذا كنت أرغب فى إجازة قدرها ٣٦ ساعة، كان الحصول على إجازة أمراً غريباً وسط مناورات جارية، ولكن الفرصة كانت مغرية للحصول على «دش ساخن» فأخذتها. لم أذكر أننى تمتعت بستة وثلاثين ساعة مثل هذه، كان لدى شعور غريب أننى مقبل على حدث جلل، ولم أكن أعرف عما كنت سوف أعود منه حياً أو شهيداً. عدت من «سرابيوم» قرب الإسماعيلية وقضيت بقية اليوم مع أختى حتى شاهدنا مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وفى الصباح ذهبت إلى جامعة القاهرة- المكان الوحيد الذى ظل مستقراً لنا للثورة، وللحرب أيضاً- واجتمعت جماعة الثورة وكان فيه المرحوم الصديق محمد السيد سعيد، طه عبدالعليم، مجدى أحمد حسين، وصديق فلسطينى وحبيبته المصرية التى تزوجته فيما بعد، وآخرون. دار بيننا نقاش حاد كما هى العادة حول الأحوال، وكان رأيى القاطع هو أن الحرب قادمة، وواجبنا جميعاً أن نذهب إلى الجبهة للمشاركة فى الحدث الذى طالبنا به طوال السنوات الماضية. انقسم الفريق عندما قال واحد منا أن هذا النظام ليست لديه القدرة على الحرب، وإذا حدثت فإنها سوف تكون للتعبير عن مصالح «بورجوازية» واستعمارية لا تستحق المشاركة فيها!. رد محمد السيد سعيد بحدة ولكنها حرب «وطنية»، وكان فى هذا نهاية الكلام، وفى المساء كنت معه فى القطار الذاهب إلى الجبهة، ومعنا كان أيضا الدكتور عبدالمنعم المشاط.

    فيما بعد عرفت أن «الإجازة» كانت جزءاً من خطة الخداع الاستراتيجى، ولكن يوم السادس من أكتوبر شهد بداية المعرفة حينما طلبنى المقدم جمال حفيظ وقال إنه تم استدعاؤه لقيادة الفرقة ١٦ لأمر مهم وحينما سوف يعود فربما سوف نحتاج مراجعة خرائط العمليات. بعد ساعة تماما عاد، وهذه المرة كانت على وجهه علامات لا نعرفها إلا عندما يواجه الإنسان لحظة تاريخية. هى الحرب إذن، سوف نجمع الجنود الساعة الواحدة، وفى الساعة الثانية سوف تبدأ الحرب، عرفنا ما عرفناه منذ وقت طويل عن اليوم (ى) والساعة (س) فى التوقيتات المحددة والخرائط المرسومة. اجتمع القائد بالضباط قادة الفصائل، ثم مع الجنود، وكان عملياً للغاية، لم تكن هناك كلمات حماسية أو كانت هناك حاجة للتعبير عن مشاعر وطنية، كنا سوف نخوض الحرب كما اعتدنا أن نخوض المناورات السابقة عليها، كان الفارق الوحيد هو أننا سوف نحارب هذه المرة فعلاً متسلحين بالوطنية والإيمان. واحد من الضباط الاحتياط ثار ثورة عارمة عندما علم أنه سوف يقود مؤخرة الكتيبة وأنه لن يشارك فى العبور، وظل يردد سؤالاً مهماً: ماذا سوف أقول لتامر (ابنه) عندما يعلم أن والده كان فى الجيش ساعة العبور ولكنه لم يعبر؟ انتهت الزوبعة بإعادة ترتيب الأمور بحيث كان صاحبنا معنا، وأبلى بلاء حسناً وجرح فى المعركة وعاد بطلاً.

    كانت قيادة كتيبتنا على بعد كيلومترات من قناة السويس حيث استقرت وحداتنا المدرعة على «المصاطب» المقامة، وهكذا شاهدنا عن بعد عبور طائرات «الضربة الجوية» ثم انطلاق قرابة ألف مدفع، كانت مهمتنا حماية الوحدات العابرة من الهجمات المضادة للعدو، وكانت مهمتى أن أوقع ما أتلقاه من معلومات على الخرائط معاوناً رئيس العمليات فى الكتيبة، وفى الثامنة تماماً نزلت وحداتنا من على المصاطب وبدأت العبور إلى الناحية الأخرى من القناة. اقتربنا من حافة القناة، وذهب رئيس العمليات إلى هناك وعاد سريعاً لكى يصطحبنى لأشهد أجمل المشاهد فى التاريخ. كانت المعابر قد تم نصبها وعلى جانبيها كانت هناك مصابيح متتالية ملونة باللونين الأحمر والأزرق. نظرت إلى معبرنا بدهشة وأظن أن قائدى شعر بحالتى فقال معبراً عن اللحظة: أليست فى جمال كبرى قصر النيل؟! كان كوبرى قصر النيل هو عنوان الرومانسية فى تلك الأيام.

    خضنا الحرب فى فصولها المختلفة، ما بين مجد العبور ووخزة الثغرة، خسرنا ما خسرنا من معدات وشهداء، ولكننا دمرنا للعدو ٥٤ وحدة مدرعة كانت منها ٤٠ دبابة، باختصار رددنا صاع يونيو صاعين. ومن بين صفوفنا حصل الرقيب محمد صادق على نجمة سيناء لتدميره ٢٠ دبابة وحده، وحصل ستة من المجندين على أنواط مختلفة للشرف والمجد. كم كان رائعاً وداعياً للفخر أن أكون وسط هؤلاء، تحت قيادة اللواء فيما بعد جمال حفيظ والعميد محمد عبدالوارث. وحينما سكتت المدافع، وانتهت الدبلوماسية إلى تحرير الأرض، كانت الثورة قد وصلت إلى نهايتها، ولكنها ربما كانت قد بدأت لدى آخرين فى ثوب وشكل آخر.





    'vdr [dg hgn pvf h;j,fv 1973 (hglwvn hgd,l)

    توقيع :د/ على عبدالرحمن

     




    الكلمات الدلالية
    طريق ، جيل ، الى ، حرب ، اكتوبر ، 1973 ، (المصرى ، اليوم) ،


     







    الساعة الآن 01:45 مساء